أنجو وحدي… أنهزم وحدي

مصنف كـ خواطر، ناجون

أنا أَغْرَقَ وأَنْجُو بمفردي… غرقت كثيراً في فكرة الانتحار، ونجوت منها في كلّ مرّة، لأنّني آمنت بأن هذه النهاية لا تليق بي… أقرأ كلّ يوم عن قصّة انتحار جديدة، أشفق على صاحبها وأشعر بالعجز أمامها… أتوقّف عن التفكير والحديث والمشاعر لدقائق وربّما لساعات أمام انتحار شخص… ثم تَعمُّق طويل فيما قد مرّ به ليصل إلى لحظة ينهي فيها حياته بكلّ ما فيها… وأنا عاجزة تماما كالمبتورة يديها.

ظننت في بداية نكساتي ووجعي أنّ كلّ شيء سيصبح على ما يرام مع الوقت، لم أتخيّل أنّ الأمور ستصل إلى فكرة عميقة كالانتحار.. لم أحاول تنفيذها حتى، ولكنها تأخذ حيزاً كبيراً في حياتي، بعد أن كانت فكرة سطحية مُجردة تخطر لثوانٍ كلّ بضعة أشهر.. مع كلّ هذا نجوت، ولكنّي أيضاً هُزمت، بحياتي البائسة وروحي المُهشّمة… وتكَسُّر طموحي… وانهيار سعادتي… وتبخُّر أحلامي… والضرر في قلبي؛ إنّ هَوْلَ البقاء والنجاة أصعب من الانتحار.

بحثتُ مراراً عن طريقة غير مؤلمة للانتحار، وفكّرت في نصّ رسالة أتركها لأمّي ولأصدقائي ومعارفي.. ورسالة أخرى موجّهة للأشخاص الذين لا يشعرون بمن هم حولهم، وبما يعانونه من الظلم والألم والاكتئاب، وبمن تسببوا لهم في أذى أدّى بهم إلى الفكرة.

عندما أرمي حكايات الاكتئاب والانتحار على مسامع عائلتي وأصدقائي، كنت أتمنى أن يعلّق أحدهم بما ينقذني، لكن هذا لم يحدث؛ وبالتأكيد هذا ما يتعرّض له كل من انتحروا.. لم ينتشله أحد من الموت.. لم يضع أحد الظروف المحيطة بالساعي إلى الموت في اعتباره، بل يردّد عليه السخافات نفسها: اتّهامه بالكآبة والنكد ونشر السلبية، أو إخفاء السعادة خوفًا من “العين”!

ليس هذا إنسانيّ، إنّه قسوة تزيد الأوجاع والآلام… وحجر على الفضفضة بالمشاعر، والاكتفاء بإسداء كلّ مقيت ومحبِط من مواعظ الوعيد والعذاب.

قد نرغب في الانتحار لأنّنا أصبحنا في الدنيا أجساداً بلا روح؛ أصابنا وباء الواقع، فبلغنا من دقّة الشعور واتّقاد الوعي ما يضخّم داخلنا ضآلة الحياة على قلّة قيمتها، وهذا بالتأكيد السبب الأساسي للرغبة في الانتحار.. كأنّني وُجِدتُ في الحياة لأقاوم الرغبة في إنهائها، وأكافح ليس حبّاً في الحياة، وإنما حباً في من نحبّهم.

أصبحت أنتظر في مكاني لا أعرف متى ينتهي كلّ هذا الألم والوجع، كنت كثيرة الشغف بالحياة، مليئة بالأمل واليقين والصدق، ولكن أصابني الإحباط من إدراكي أنّ الحياة فانية لا قيمة لها، وبقيت لا أؤمن ولا أثق بأحد.. أغرق من جديد ولا يمدّ لي أحد يد العون… 

وإذا تحدّثت مع أحد عن أمنيتي في السعادة، يكون الرد “ليس الجميع في سعادة”، كأنّني أتحدّث عن شيء ثانوي في الحياة لا يستحقّ السعي، والتنازل عنه أسهل من طلبه… ربّما كانت هذه أمنية من انتحروا من قبل… ربما انتحر أحدهم لأنه لا يجد من يضع رأسه على كتفه ليطمئن.

لا أعلم كيف انتهت كلّ تلك العواصف وكيف نجوت، ربما خوفاً على أمّي من البكاء والحزن، وربما خوفاً من حساب الله، وأحياناً خوفاً من أن ألا يرحمني المجتمع حتّى بعد موتي، فينتقدني، ويختلق أسباباً غير حقيقيّة لانتحاري… وربما شعرت بالخزي من سيطرة الفكرة عليّ!

ذات مرة استيقظت متراجعة عن الفكرة، خوفاً من أن أفشل فينعتني البعض بالفاشلة حتى في الانتحار، أو خوفًا من أنجو منها بإعاقة!

كلّها محاولات للنجاة… من الحياة أو الموت… لكنّني ضعفت كثيراً ما بين تمنّي الموت عاجلاً والدعاء إلى الله ليساعدني على لنهوض والصمود.

على الرغم من انتصاري على عقلي؛ وبقائي في الحياة حتى الآن، أشعر باقتراب الساعة التي أقول فيها -بسعادة- إنّني استسلمت… وأدعو الله أن يعطني القوة لمقاومة الأصوات التي تردّد داخلي أنّ الانتحار قد حان؛ لعلّ الموت يحل ما استعصى حلّه من صعاب الحياة… لكن ما أدرانا أنّ الموت سيضمن لنا الراحة بعده؟

سئمت الحياة ولا أنكر ضعفي، ولكن ما زالت بداخلي روح تمنحني القوة.. تخبرني أن الله لن يتركني، وأنّ هذه النهاية لم تكتب لي، وأنّ العسر يتبعه يسر، وأنّها أفكار كأي أفكار تأتي وتروح نتيجة الظروف، ولن تتحوّل إلى الواقع إلا بإرادتنا.

أؤمن بأنّ الحال لن تدوم، وبأنّني لن أعيش حبيسة الفكرة؛ وبإيماني هذا سأفكّك قيود الفكرة القاتلة… وسأكمل حياتي… حتى يحين تدبير الله.

من بريد الأصدقاء، بقلم مروى المتولّي، مصر

بواسطة بريد القرّاء

تدوينات ممّا يصل إلى بريد المدوّنة من نصوص القرّاء

اترك رد