اكتئاب أم حداد؟

مصنف كـ معلومات هامّة

إن كنت أحد الناجين من صدمة انتحار أحد الأصدقاء أو المقربين؛ ستقرأ في هذه التدوينة شرحاً موجزاً لما قد عبَرت به حينها.

أمّا إن كنت تمرُّ حالياً في هذه التجربة فأرجو لقلبك السلوان أوّلاً، وأرجو لك الفائدة ممّا سوف أقدّمه في هذه التدوينة ثانياً.

لا شكّ في أنّ الخوض في تجربة معاناة أحد المقرّبين من الاكتئاب، ومن ثّم الانتحار، تجربة قاسية جدّاً. يمكنني تسميتها بالصدمة عوضاً عن التجربة، فإذا ما بلغت التجربة حدّ الفاجعة غدت صدمة.

لا تتوقّع منّي أن أعرّف تلك الصدمة بأنّها صدمة كبيرة أو صدمة صغيرة إذ لا حجم للصدمات.

من تعرّض لصدمة يشعر في بادئ الأمر أنّه وبشكل فجائي دخل في الفراغ في التلاشي وكأنّ الحزن موجة عارمة ارتطمت به وابتلعته لترميه في الظلمة والذهول.

 تراه ينظر ولا يرى، يتلقّى الصوت ولا يسمع. يتوقّف مرور الزمن دفعة واحدة ويبدأ القلب بالخفقان، فيتدفّق الدم سريعاً ويسبق الشعور بالزمان والمكان.

يبدأ الأوكسجين في النفاذ وتبدأ جولة جديدة في معركة إلتقاط الأنفاس، ويستمرّ الدوار…

تُغلق الأجفان استعداداً للهرب من الفراغ والذهول ويبدأ شريط الذكريات يستعرض ذاته سريعاً كومضات تؤكّد الفقد وتزيد في حدّة الألم.

قد تنهمر الدموع كاستجابة تلقائية لكلّ هذا الانفعال، أو ترتسم ابتسامة شاحبة فارغة لتسدّ غياب النحيب أو الصراخ. فالابتسامة نحيب شاحب. وحده اعتصار القلب ينتحب بصوت لا يمكن لأحد سماعه سواه.

قد تستمرّ هذه الصدمة لدقائق أو ساعات أو حتّى أيّام، ومن ثم تبدأ فترة الحداد.

ما هو الحداد؟

الحداد هو الحزن الذي يبدأ لحظة تلقّي خبر الوفاة وينتهي لحظة تقبّل هذا الخبر.

تقبّل الخبر يعني تصديقه وليس قبوله أو تحمّله. إنّ الاستجابة الطبيعية والمألوفة لدى الجميع تجاه الفقد هي الحزن. كما للضوء والشعاع واللّون أطياف ودرجات، للحزن درجات أيضا تتدرّج من الانزعاج إلى الحزن إلى الاكتئاب.

نعم، الاكتئاب إحدى الدرجات القصوى من الحزن.

لكن هل يعني الحداد بالضرورة الاكتئاب؟

كثيراً ما يتمّ الخلط ما بين الحداد والاكتئاب، إذ أنّ أعراض الاكتئاب تتشابه لحدّ بعيد مع أعراض الحزن الشديد جرّاء فقد أحد المقرّبين أو الأحباب. (انظر تدوينة المساعدة الفعّالة)

من الطبيعي الشعور بالحزن وفقدان المتعة واليأس لكن إذا استمرّت هذه المشاعر طويلاً وأخذت بالازدياد حدّةً وأثراً، خرجت عن مسمّى الحداد.

الحداد استجابة طبيعية، بل صحّية لحالة الفقد أو الخسران ولا تحتاج لتدخّل أو علاج. إنّما تحتاج لمواساة وتعاطف، ويمكن للعادات الاجتماعية كمراسيم العزاء أن تلعب دوراً إيجابياً في إنهاء مرحلة الحداد.

ماذا عن مشاعر الحداد على الشخص المنتحر؟

لا يمكننا القول بأنّ هناك حزنٌ أكثر أهمّيةً من الآخر. لكن، في حالة الحداد على الشخص المنتحر لن يكون الحزن والخسارة وحدهما مصدر الألم، بل في معظم الأحيان الشعور بالذنب ولوم الذات هما مصدريّ العذاب النفسي وقد يتعدّى الأمر كونهما مشاعر ذاتية المنشأ.

في بعض الحالات يعمل المجتمع على تغذية شعور الذنب واللّوم لدى الشخص الذي يمرّ في مرحلة حداد فيصل لمرحلة متقدّمة من لوم الذات وجلدها.

لن ننكر عزيزي هنا الدور السلبي للمجتمع في التعامل مع قضية الانتحار، فلا أسهل من إطلاق الأحكام على المتوفّى وذويه.

كثيرا ما نسمع أحكاماً سطحية قاسية من قبيل أنّ الانتحار نتيجة لضعف الإيمان أو نتيجة للهرب من فضيحةٍ أو مشكلةٍ ما. فتُغزلُ القصص والإشاعات ويصبح من في فترة الحداد محاصراً في سجن الحزن والذنب والضغط الاجتماعي.

المخاوف والتساؤلات المرافقة لفترة الحداد

غالباً ما تراود الذهن مجموعة من المخاوف والتهم؛ تجعل من يمرّ بفترة الحداد حبيس اللّوم. إنها جمل من قبيل:

  • كان عليّ أن أهتم لحاله أكثر
  • لقد قصّرت في مساعدته
  • كان عليّ أن أزوره يومها
  • لوكنت صديقاً /أخاً /أباً /أمّاً /حبيباً صالحاً لما أقدم/ت على قتل نفسه/ها
  • كل ما حصل كان بسببي. بسبب قسوتي/ إهمالي/ تذمّري/ انشغالي أقدم/ت على الانتحار
  • لن أستطيع أن أغفر لنفسي
  • كيف سينظر لي المجتمع؟

 يمكن لوجود أفراد أو مجموعة داعمة متعاطفة مقرّبة من هذا الشخص أن تناقشه بأفكاره وتزيل عنه عبئ ومرارة الشعور بالذنب.

لكن ما لم يتخلّص من هذه المشاعر فهو عرضة للاكتئاب المصاحب للقلق والدخول بنوبات هلع أو ظهور شكاوى متكرّرة من آلامٍ أو أمراضٍ جسدية لا أسباب عضوية، لها كآلام المعدة والظهر والصداع.

هل احتاج لدعم أو علاج نفسي؟

قد تسأل نفسك هل أنا أيضاً عرضةً للاضطراب النفسي في حال أقدم أحدٌ من دائرتي المقرّبة على الانتحار؟

إن تساؤلاتك محقّة جدّاً. سأجيب عنها بشكل بسيط مختصر. لك كلّ الحق أن تحزن ومن حقّك أن تتألّم أيضاً، فهي الاستجابة الصحيحة لهذه الصدمة.

لكن إن ازدادت حدّة الألم ولوم الذات ولم تعد كلمات التعاطف والدعم من قبل الأهل أو الأصدقاء تجدي نفعاً، بل وصلت لدرجة بتّ تستخدم تعابير (لم أعد أحتمل، أشعر بألم لا يمكنني التعايش معه، لست جيداً كفاية، أكره نفسي… الخ) وبدأت تفقد القدرة على الاستمتاع بالحياة أو ممارسة نشاطاتك الاعتيادية.

أرجو أن تطلب مساعدة متخصّصة وأن تسعى للاشتراك في برامج الدعم النفسي الاجتماعي في بلدك.

بواسطة هبة الله الزير

أخصّائيّة نفسيّة، مهتمة بقضايا المرأة والعنف

اترك رد