الاحتراق النفسي

مصنف كـ معلومات هامّة

هل قلتَ لنفسك يوماً ما (إنّي أنطفئ)؟

هل بدأت بأمر ما سخّرتَ له جهدك وطاقتك لكنّك في منتصف الطريق أو قبل النهاية بقليل شعرت بأنّك عاجز عن التقدّم أو الإكمال؟

هل أنت منهك حتّى من التفكير في أمر معيّن؟

هل بات موضوعٌ ما مدعاة للإحباط أو القلق وبمجرد ذكره تشعر بأنك بحاجة للهرب من المكان كلّه، ليس من الموضوع فقط؟

هل فقدت الثقة في أنّك تستطيع الاستمرار في أمر ما؟

هل قرّرت إنهاء ما بدأت به أياً كانت النتائج، حتّى لو كنت على أعتاب إتمامه فعلاً؟

هل تشعر بأنك محاصر بموضوع ما وغدى كابوساً يلاحقك؟

نعم إنّها مشاعر من يتعرّض لاحتراقٍ نفسيّ، وبعبارة أخرى إنّها مشاعر من استُهلكت طاقته ومشاعره وكأنّها احترقت ولم يبق منها سوى الرماد.

غالبا ما يُستخدم مصطلح الاحتراق النفسي كما يُستخدم مصطلح الاحتراق المهني مع العاملين في المجالات النفسية الاجتماعية.

إذ أنّ التعامل مع عواطف الناس ومشكلاتهم وآلامهم أمر محفوفٌ بالخطر. إذ ليس بالسهل التفاعل مع الآخرين دون التعاطف الصادق معهم والتأثّر العاطفي الانفعالي.

لذا فإنّ مجال الدعم النفسي أو التعامل مع ذوي حاجات خاصّة أو العمل مع الأمراض العقلية؛ يحتاج لدراسة مكثّفة وتدريبات طويلة تؤهّل الشخص للخوض في العمل الإنساني. ومع ذلك هناك العديد من العاملين في المجال النفسي يتعرّضون للاحتراق المهني والنفسي أيضاً.

سأصدقك القول إن كنت ممّن يخوضون أو خاضوا تجربة القرب ودعم شخص يعاني من الاكتئاب بدرجاته عموماً، ومن الاكتئاب الحاد المرافق لأفكار انتحارية خصوصاً، فاعلم أنّك عرضة للاحتراق النفسي؛ وما يليه من تبعات تظهر بمظاهر آلام نفسية وجسدية، يجب الانتباه لها وعلاجها.

كيف أتجنب الاحتراق النفسي؟

قبل الخوض بالاشتراك في عمليّة دعم نفس، أيّاً كانت أسبابك أو درجة قرابتك مع الشخص المدعوم، اطرح على نفسك هذه الأسئلة:

• ما هي درجة تأثّر مشاعرك وأفكارك بحالة هذا الشخص؟

• ما هي درجة الضغط النفسي الذي تتعرّض له؟

• ماهي الإشارات التي يجب أن تنتبه لها لتعرف متى وكيف تقدم المساعدة؟

• هل يتوجب عليك تقديم المساعدة؟

• ماهي المساعدة التي ستقدّمها؟

• ماهي حدود مسؤوليّاتك تجاه هذا الشخص؟

• هل يمكن أن تتأثّر صحّتك النفسية بسب التعامل مع هذا الشخص؟

• هل لديك الصلابة النفسية الكافية التي تؤهّلك للخوض في هذه التجربة؟

أيّاً كانت الإجابة الهدف ليس الإجابة بذاتها، إنّما هو توجيه هذه الأسئلة لنفسك قبل أن تخوض في تجربة دعم اجتماعي نفسي لشخص يعاني من اضطرابات نفسية تتضمّن أفكاراً انتحارية.

أجب عن هذه الأسئلة بشفافية وتعاطف مع الذات أولاً ومن ثمّ فكّر بما تبقّى من قيم قد تفرضها على نفسك؛ كالواجب والوفاء والأخلاق.

حذار عزيزي أن تزجّ نفسك في تجربة لست مستعداً كلياً لخوضها، وأعني بالاستعداد ليس الرغبة إنما القدرة. فشتّان ما بين الرغبة بالمساعدة والقدرة على المساعدة.

شعور الذنب والاحتراق النفسي

كثيراً ما نندفع للخوض في أمر لا طاقة لنا به. إذ أنّنا لا نعي ما هي حدود طاقتنا أصلاً. نقرّر تحت تأثير التوتّر المرافق للمشاعر المختلطة ما بين الواجب والشفقة والشعور بالذنب.

حالنا كحال من يرى نفسه بمواجهة جرح نازف بالرغم من أنّه لا يحتمل رؤية الدم أصلاً

 كيف له أن يخيط هذا الجرح ويوقف النزف وهو خائف ومتوتّر من الأمر برمّته، وهو لا يعلم أيّ شيء عن الإسعافات الأولية ولم يمارسها قط.

نراه يتعرّض للإغماء أو الشدّ العصبي، عوضاً عن تركيز طاقته واستثمار الوقت طلباً للمساعدة التي ستوقف النزف وتخيط الجرح. عوضاً عن ذلك يخوض بذاته هذه التجربة التي يمكن أن تؤذيه بنفس قدر أذية من يتلقّى المساعدة.

وتكون دوافعه وراء هذا التصرّف هي الرغبة بالمساعدة أو الخوف من فقد هذا الشخص أو الشعور بالذنب تجاهه.

كذلك هو الحال في حالات الدعم النفسي دون القدرة والتأهيل الكافيين.

تستهلك طاقتك وتعرضك للأذى أو الاضطراب أو الاحتراق النفسي فلا تنفع نفسك ولا تنفع غيرك.

كيف أقدم المساعدة دون التعرّض لخطر الاحتراق النفسي؟

يمكنك تقديم المساعدة مع الانتباه والحرص على صحتك النفسية وذلك من خلال:

1. الحديث الذاتي:

خاطب نفسك بحنوّ وتعاطف. أكّد لنفسك أنّك إنسان عاديّ ولقدراتك حدود لا يمكنك تجاوزها. أكّد على نفسك أنّ ما يعانيه الشخص الذي ترغب بمساعدته يؤلمك أيضاً، وأنت بدورك بحاجة للمساعدة لتحمّل هذه المشاعر المؤلمة. كرّر لنفسك بأنّ لا ذنب لك بما يعانيه الشخص الآخر مهما تمّ اقناعك بأنّك السبب.

2. تشكيل فريق دعم:

يمكن للعمل في فريق داعم من قبل الأسرة أو الأصدقاء أن يساهم بشكل كبير في تخفيف حدّة الضغط النفسي. حيث يتمّ توزيع المهام على الجميع والتخطيط بشكل مشترك. كما أنّ النقاشات الدائرة تساهم بشكل كبير في تخفيف الضغط النفسي. إذ تشعر بأنّك لست بمفردك، وحيداً في مواجهة كلّ هذه المشاعر. تكلّم عمّ تشعر به لفريق الدعم. اشرح مخاوفك واستمع لمخاوفهم سيزول الكثير القلق بالأحاديث المفتوحة مع أشخاص داعمين يستطيعون فهم ما تمرّ به.

3. طلب المساعدة من متخصص:

لا يمكن علاج الاكتئاب الحادّ المترافق بأفكار انتحارية بالدعم النفسي من قبل الأسرة أو الأصدقاء وحدهم، بل يحتاج لعلاج وإشراف من قبل طبيب نفسي للإشراف على العلاج الدوائي وأخصّائي نفسي لإجراء جلسات الدعم النفسي. اذ أنّ دورك لا يتعدّى اقناع وتشجيع المريض باللّجوء للعلاج وبتقبله واحتوائه وتبديد مخاوفه تجاه العلاج والاستمرار عليه.

كيف أتصرف في حال تعرضت للاحتراق النفسي؟

عليك أن تكون واعٍ للتغيّرات التي تطرأ عليك. إذا شعرت بفقدان القدرة على تقديم المساعدة أو بدأت تشعر بالذنب والحزن مع انعدام الطاقة والدافعية. بالإضافة الى تأثير هذه المشاعر على إنتاجيّتك ونشاطاتك اليومية. لا تتردّد في طلب المساعدة من دائرتك المقرّبة كي تبدّد عنك شعور الذنب وتساعدك على تقبّل ما تمرّ به. كما أن طلب مساعدة من أخصّائي نفسي أو عامل نفسي اجتماعي أمر لابدّ منه.

بواسطة هبة الله الزير

أخصّائيّة نفسيّة، مهتمة بقضايا المرأة والعنف

اترك رد