وسائل التواصل الاجتماعي و الضغط النفسي

مصنف كـ تباعد اجتماعي، معلومات هامّة

كثيراً ما يتكرّر على مسامعنا؛ في حياتنا اليومية كلمات كالضغط النفسي، الانزعاج، التوتّر، تعكّر المزاج، اليأس، الإحباط، فقدان المتعة، الملل، الحزن والاكتئاب.

من منّا لم يستخدم إحداهنّ في يومٍ من الأيّام؟

بل يمكنني التساؤل عن من منّا لا يستخدم إحدى تلك الكلمات يوميّاً؟

نعم، إنّها كلمات مفتاحيّة ذات دلالة واقعيّة على ما يعيشه الإنسان المعاصر يومياً.

فلا حصانة ضدّ عوامل الضغط النفسي مع هذا الكمّ الهائل من المعلومات والصور والأخبار التي تصلنا بلمسة صغيرة لشاشة الكومپيوتر او الهاتف الجوال.

قد نعتقد وهماً أنّ العالم بات أكثر ظلماً وأكثر عنفاً، لذا نحن أكثر حزناً وتعاسة في حين أنّ العالم أكثر تطوّراً أخلاقياً وإنسانياً عمّ كان عليه في العصور السابقة.

 في حقيقة الأمر أنّ ما نملكه من تقنيّات تمكّننا من معرفة الأخبار المحلّية في أيّ وقت لأيّ منطقة في العالم من أحوال الطقس، وحوادث السير، وجرائم العنف، والسرقة تجعلنا أكثر عرضة للإحاطة بالمعلومات السلبيّة التي تزيد من شعورنا بالعجز والضغط.

في ذات الوقت نطّلع على صورٍ برّاقة لأحدث الأزياء والسيّارات والنساء المثاليات المثيرات والرجال الجذّابين الناجحين في حين أنّنا عالقين في صراع ما بين ما تعلّمناه من مبادئ وما لدينا من رغبات وعوائق تحدّ من تحقيقنا لها.

هناك علاقة طردية بين ما نتعرّض له من معلومات وما نشعر به من ضغط نفسي اجتماعي. كلّما كان وصولنا للمعلومة أسهل كلّما زادت مصادر الضغط.

الإحباط وانستگرام

شئنا أم أبينا هناك منصّات ومواقع ترسم الخطّ العام لأذواقنا وتفضيلاتنا الشخصيّة. ولعلّ تطبيق إنستگرام Instagram من أكثر التطبيقات جذبا وإشراقاً، وبنفس الوقت، يُعتبر الأكثر جلباً للتعاسة والإحباط.

حيث الصور البرّاقة المبهرجة بابتساماتٍ مثاليةٍ بلا أيّ نقص أو عيب، بيوت راقية، سيّارات فخمة، ملابس عصرية، أجساد جذّابة مثالية، بشرة صافية، حبيب متيّم جميل ذو ذوق رفيع باختيار الهدايا والورود. عند تصفّح هذا الكم الهائل من السعادة والكمال لدى الآخرين تزهد نفسك فيما تملك، فشتّان ما بين الواقع وما تراه في إنستگرام.

يعمل إنستگرام على مداعبة رغباتنا في الزهو والكمال، فمنّا من يجد في متابعة المشاهير على إنستگرام متنفس لتغذية الأحلام، ومنّا من يجد فيها ما يعزّز شعور الخيبة والحسرة. الأكثر إحباطاً هو تصديق ما نراه وتنميطه، بل وجعله مرجعاً متّفقاً عليه في عالم الجمال والفن والعلاقات العاطفية أو الاجتماعية.

إذ من يخالف هذه المعاير يتعرّض للانتقاد والتنمر.

لقد غدى من الشجاعة مواجهة الناس بلا مساحيق تجميل أو فلاتر وكأنّه من العيب والنقص أن نكون على طبيعتنا.

من منّا لم يشعر بالخجل يوما لأنه يملك جسداّ لا يوافق معايير الجمال الحديثة؟ قد لا تتّفق مع هذه الفكرة او تلك. لكن، إن كنت في الفترة العمرية ما بين 12 و 30 سوف تشعر حقّاً بما تجلبه وسائل التواصل الاجتماعي من إحباط وضغط نفسي.

وسائل التواصل الاجتماعي والصراعات النفسية

اتّفقنا سابقاً على أنّ هناك علاقة طردية ما بين السرعة في الوصول للمعلومات والوقوع في الضغط النفسي.

لكن، ما نصل له في طبيعة الحال من المعلومات قد لا يتّفق مع ما نعيشه ونؤمن به في مجتمعاتنا أو أسرنا. هنا تبدأ الصراعات بين ما نقبله وبين ما نرفضه، بين ما نفرضه وما نتمناه، بين ما نتمنّاه ونقبله لكنه بدوره يرفضنا. باختصار، إنّها صراعات إقدام وإحجام نعيشها بشكل يومي ممّا يضعف صحّتنا النفسية واستقرارنا الانفعالي.

لا تتوقّع أنّ آبائك أو أجدادك قد خبروا هذا الكمّ الهائل من الصراعات المتكرّرة بشكل شبه يومي، لذا من الظلم أن نعمّم نمط الحياة التي كانت صحيحة قبل عشر أعوام على نمط الحياة اليوم. فما بالك بمجموعة العادات والتقاليد والقيم التي قد يبلغ عمرها مئات الأعوام؟

لذا ما تشعر به من ضياع أو إحباط أو عجزٍ أحياناً إنّما هو السمة العامّة لنمط الحياة المعاصر الذي فرض نفسه بموجباته وعيوبه قبل استعدادنا له نفسياً واجتماعياً كبشرٍ بشكل عام.

العالم في تغيّر وتطوّر سريع الحركة نجد أنفسنا أحياناً تحت ضغط مواكبته ممّا يجعلنا أكثر عرضة للشدّة النفسية، وبالتالي المرض النفسي.

كيف أحمي نفسي من ضغط وسائل الإعلام الاجتماعي؟

أكثر ما يخشاه الإنسان هو ما يجهله. إذ أنّ عدم تقدير الأمور بمقاديرها الصحيحة يوقعنا بوهم التوقّعات أو المبالغة.

إن كنت تشعر بتوتّر بشكل عام، عليك أن تحلّل أوّلاً أسباب هذا التوتر. فإن كان لخبر أو صورة على وسائل الإعلام الاجتماعي علاقة بهذا التوتّر عليك أن تحلّل التالي:

  • الوقت الذي تقضيه في تصفّح تطبيقات الإعلام الاجتماعي
  • الأشخاص الذين تتابعهم
  • الصفحات التي تهتمّ بها
  • طريقة تفاعلك مع كلّ ما سبق

إذا كنت حريصاً على حماية نفسك من الضغوط عليك أن تجعل من هذه التطبيقات مجرّد نافذة تمكّنك من البقاء على اطلاع على حركة العالم دون أن تحرمك فرصة العيش في هذا العالم.

اذ أنّ ما وراء الشاشات ليس إلا محاكاة لما يحصل من حولك. احذر من الوقوع في عادات سلوكيّة تؤدي للإدمان على تصفّح تطبيقات الإعلام والتواصل الاجتماعي وتضعف قدرتك الواعية على التواصل الطبيعي الفعال.

كيف استفيد من وسائل الإعلام الاجتماعي في تخفيف الضغط النفسي؟

1.شكل فريق دعم:

يمكنك أن تستخدم هذه الوسائل لتشكّل فريق دعم يمكّنك من التعبير عن إحباطك تجاه ما تراه على الشاشة وما تراه في الواقع. ستجد أنّك لست بمفردك من يشعر بالضغط والإحباط، بل هناك العديد ممّن يعانون دون أن يعو لما يعانوه وأسباب هذه المعاناة.

2.تابع ما تراه مناسباً ليس ما تراه مثالياً:

لست مضطرّاً لأن تتابع ما يتابعه معظم الناس لتشعر بالرضا. تابع ما يجعلك راض بغضّ النظر عن تفضيلات الآخرين.

3.ابدأ بالتوعية:

إن كنت قد تنبّهت وتوصّلت لأساليب تمكّنك من كشف سلبيّات وآثار هذه التطبيقات على الاستقرار النفسي الاجتماعي، عليك أن تكون فخوراً بما توصّلت إليه ويمكنك أن تشاركه مع الاخرين؛ علّهم يجدون تفسيرات لما يعانون منه.

4.خصّص وقتا للتواصل مع دائرتك المقربة أو اصدقائك المفضلين:

لوسائل التواصل الاجتماعي إيجابياتٌ أيضاً عليك ان تستمتع باستخدامها، كسهولة التواصل مع الأشخاص المقربين واختصار المسافات أيضاً. استمتع بوقتك عزيزي بدردشات نخفف عبئ الحياة وضغوطاتها.

بواسطة هبة الله الزير

أخصّائيّة نفسيّة، مهتمة بقضايا المرأة والعنف

اترك رد