مخاطر الحياة الآمنة!

مصنف كـ معلومات هامّة، مهارات

تقول الفلسفة أنّ الحرّية هي في تعدّد الخيارات

ويقول علم النفس أنّ التردّد يزداد بازدياد الخيارات

وبينما تطالب الفلسفة بإتاحة المزيد من الخيارات للإنسان كي يشعر بحريّته في أن يختار ما يريد، يردّد علم النفس أنّ سعة خيارات هي من أمراض العصر النفسيّة، إذ تتأخّر القرارات ويتصاعد التوتّر ويكثر التردّد؛ فيخسر الإنسان من قدرته على اتّخاذ قرار، ما يؤدّي إلى ضياع الكثير من الوقت في حلقات التردّد والخوف من اتّخاذ القرار الخاطئ.

ونرى فعلاً أنّ الكثير من الناس تتأخّر في خوض مراحل حياتها وقد تهدر سنوات قبل أن تتجرّأ على أن تختار، في وسط تكثر فيه الخيارات المتاحة وتتعاظم مع كثرتها حرّيّة الاختيار. و نرى العكس تماماً في الأوساط التي تقلّ فيها الخيارات المتاحة، حيث تتعاظم محدودية حرّية الاختيار. هنا يمضي الناس أسرع في خوض مراحل حياتهم، ويحقّقون ما يمكن أن نسمّيه “منجزات” اجتماعية على وتيرة أسرع.

أين تكمن سعادة الإنسان؟

هل هي في وفرة الخيارات من حوله؟ أم في ندرتها؟

هل هي في مطالب الفلسفة أم مخاوف علم النفس؟

إذا كنت في الصحراء؛ عطشاً جائعاً تكاد الروح أن تخرج مع أنفاسك، ستكون الواحة في بطن الرمل أعظم سعادات حياتك… هي خيار وحيد للنجاة من الموت في لظى الصحراء.

وإذا كنت في المدينة؛ عطشاً جائعاً يكاد يقتلك الملل، قد تكون وفرة الأطعمة والمشروبات في برّاد مطبخك مثار حزنك وتغذية للملل في نفسك، فتغلق البرّاد على قرار أن تبقى على جوعك، فلا شيء أثار اهتمامك في وفرة المأكولات.

خيار النجاة الوحيد في الصحراء قدّم لك سعادة عظيمة قد تتحدّث فيها لسنوات وعقود.

والخيارات الكثيرة في برّاد بيتك قدّمت لك الكمد في وقت الملل، وما قدّمت لك سعادة.

فأين تكمن سعادتك؟

يقول المثل الشامي “إذا بدّك تحَيرو خيرو”، ويُقال كذلك “اللّي بتعرفه أحسن من اللّي بتتعرّف عليه”، ومع ذلك تردّد ذات البيئة الشاميّة كذلك مقولة “اللي بيجرّب المجرّب عقلو مخرّب”. فهل في هذه الأكواد مخاطر؟ وإذا كانت هذه المقولات شيفرات تزرع الخطر في حياتنا، فأين هو؟

راقب حياتك. حيث تقوم يوميّاً بالكثير من الاختيارات. بعضها من روتينك اليومي فترتكبها دون تفكير، وبعضها الآخر تصرف فيه وقتاً طويلاً قبل البتّ فيه. لكن، ما لا يدركه أغلبنا هو أنّ الوقت المتاح للاختيار محدود. وبينما ترى أنّك قادر على المماطلة لفترة طويلة قبل اتّخاذ قرار، أو التصرّف بسرعة كبيرة والاتّجاه دوماً نحو الخيار الآمن. يرى علم النفس أنّ كلا السلوكين غير آمن، وخالٍ من الحكمة.

الخيارات الآمنة في حياة الإنسان تجسّد، نوعاً ما، مطلب علم النفس في درئ التوتّر والخوف من اتّخاذ اختيار. إذ يتّجه الكثير من الناس إلى قصر خياراتهم عمداً تفادياً للوقوع في حلقات التوتّر والخوف من المستقبل. والخيار الآمن هو ما يكون عادة ذلك الخيار الذي سبقك أهلك والناس من حولك على ارتكابه. تعرف نتائجه مسبقاً وليس فيه مغامرة. ما يعني ضمان نتائج مستقبلية ليس فيها مخاطرة.

لكن، مع ذلك، يرى علم النفس أنّ في الخيارات الآمنة مخاطر كذلك، مخاطر قد تحميك منها بعض الخطوات الاستباقية لتعديل نهج اتّخاذ قرارك، وهذه المخاطر بحسب مركز PsychCentral للصحّة العقلية هي:

حياة تفتقر إلى الإثارة: 

قد تكون الحياة المملّة آمنة، ومن يريد أن يعيش الملل طوال الوقت؟ هذه هي مشكلة الخيارات الآمنة – لا احتمال لأن تقع في المشاكل، لكن من غير المحتمل أن تجد نفسك متحمّساً في ذات الوقت. اضبط طريقة تفكيرك للترحيب بالخيار الأقل أماناً مع إمكانية أكبر لإضافة الإثارة إلى حياتك.

قد يتخامد النموّ: 

عندما تلتزم ما تعرفه وترتاح في فعله، فقد لا تتحدّى نفسك أبداً لإضافة المزيد من المهارات أو لزيادة مخزون معارفك. هذا ضارٌّ بالنموّ المستقبلي، ناهيك عن تراسب الرضا الحالي عن الحياة. من الصعب أن تغامر بالخروج من روتينك المعتاد، ومع ذلك يمكنك اتخاذ خطوات تدريجيّة لتشجيع النمو الإيجابي في بعض الخيارات المحسوبة.

الخوف يمنع الاكتشاف: 

كثيراً ما ترغب بالخطو في اختيار ما هو غير معتاد، وهذا خيار يحتاج إلى قرار جريء، فتخشى ما قد تصادف وتتردّد عن هذه المغامرة، وهذا اختيار آمن لكنّه يعيق الاكتشاف. هذا سيء ويماثل تخامد النموّ. قد تكون المجازفة المعقولة أفضل لتوسيع منظورك للعالم وتعزيز تجاربك… بدون مخاطرة لا يوجد مكاسب. (التغلّب على الخوف من ارتكاب الأخطاء)

من الصعب التعرّف على أشخاص جدد: 

لم تزل تلتق نفس الأشخاص، الأشخاص الذين تعرفهم سيبقون هم نفسهم كلّ يوم. ولا ضرر من الصداقات الدائمة. ولكن أحياناً يكون من المفيد أن تتجاوز أصدقاء الطفولة، وتتوسّع بالتعرّف على أشخاص يشاركونك اهتماماتك أو معتقداتك أو قيمك المتغيّرة… لا بأس من التغيير. انضم إلى أنواع مختلفة من المجموعات المتعلّقة بالهويات والأنشطة الترفيهية، كالسفر والتعليم والرياضة، وغيرها من الهوايات الشائعة.

الخيارات الآمنة معاناة العلاقات الحميمة: 

لا شكّ أنّك تعرف بعض الأفراد ممّن تركهم أزواجهم وزوجاتهم لأجل شخص أكثر إثارة، خليل يعرف كيف يحافظ على اهتمامه ويضجّ بالحياة والنشاط وسعيد منخرط في كلّ جديد. من منّا لا يريد أن يكون بهذه الشخصية النابضة بالحياة؟ عندما تكون حياتك اليومية وتفاعلك مع الرجل أو المرأة الأقرب إليك فقط “ماشي الحال”، فتوقّع بعض الاضطرابات في المستقبل. ألا ترغب في مشاركة أعمق تجاربك مع من تحبّ بطريقة صريحة ومحبّة؟ هذا يتطلّب منك الابتعاد عن مسار الاختيار الآمن والشروع في القليل من المخاطرة. الأهمّ من ذلك، يجب أن تكون وبإرادة منك مكشوفاً للألفة العاطفية الحقيقية. هذا اختيار مخيف، لكنّه يستحقّ الاختيار.

تضيع الإمكانيّات غير مكتشفة: 

كيف يمكنك اكتشاف إمكاناتك الحقيقيّة إذا بقيت في نفس المسار الذي اعتدته دائماً؟ لا تملك أي فكرة عمّ يمكنك أن تصبح أو مدى مهاراتك ومواهبك. بدلاً من إهدار إمكاناتك، قم بتخيّل سيناريو حياتك المثالي، كيف ستبدو حياتك إذا حقّقت كل ما تريد. هذه ليست نهاية السعي لتحقيق إمكاناتك، فقط البداية.

تبقى السعادة هدفاً بعيد المنال: 

إذا كنت لا تزال تعاني من التقزّم، وتفتقر إلى الإثارة، وتخشى ما قد تكتشفه من خلال اتّخاذ خيارات أكثر جرأة، وما زلت ملتزماً بروتين يومي آمن، فقد تجد أنّك دائماً أقل سعادة ممّ تريد أن تكون. قد يكون هذا لأنّ السعادة تحتاج إلى طاقة وانخراط وتحدّي نفسك والعمل لتحقيق الأهداف المرغوبة. فكّر في شيء تودّ أن تكون ناجحاً فيه. ثمّ قم بصياغة خطّة واستراتيجية لتحقيق ذلك. ابدأ صغيراً، واضع في اعتبارك أنّ النجاح يبنى على النجاح.

لن تكون أبداً خبير الـ”الذهاب إلى”، أنت شخص الـ”الانطلاق على طول” فقط: 

الموظف الذي يسلك طريقً آمناً باستمرار، ولا يتجاوز أبداً ما هو مقبول وتقليدي ومألوف، لن يكون قائداً أبداً. سينجذب الآخرون نحو الفرد الذي يجرؤ على التحلّي بالجرأة، أو من يبادر، أو يكون ذكياً بما يكفي لإدراك أنّ المطلوب هو أفكار جديدة نجاحها راجح. تُفضّل أغلب دوائر العمل ترقية الأشخاص ذوي المبادرات القيادية.

لا شيء يحفّزك: 

مثل الملل، يعدّ الافتقار إلى الحافز طريقة سريعة لإخماد متعة الحياة. فعل نفس الشيء الآمن كلّ يوم كنمط مدى الحياة، هذا ممل. ولا عجب إذ ذاك أن تفتقد للدافع لفعل أي شيء، وبخاصّة؛ أي شيء جديد. هل تذكر كيف شعرت بالحيوية حين سعوت بحماس وراء شيء تريده بحقّ؟ استرجع هذا الشعور وقم بتطبيقه على مهمّة أو هواية جديدة اليوم. نجاحك في الحافز.

يبدو النجاح بعيد المنال: 

بذكر النجاح، إذا كان يبدو لك دائماً بعيد المنال، فهل يمكن أن يكون السبب هو أنّك تسلك الطريق الآمن دائماً؟ وتتّخذ خيارات مصمّمة لمنع خلق أيّ موجات من الإثارة؟ لكي تنجح في أيّ شيء، يجب أن تكون على استعداد لتحمّل المخاطرة – أي المخاطر المحسوبة – لبذل عرق العمل على الرغم من احتمال النكسات الطفيفة أو الكبيرة، والاستمرار حتّى حين ترغب بالتوقّف. وكما قال سقراط “الحياة غير المختَبرة لا تستحقّ العيش”.

هذه التدوينة مراجعة طبيّاً من قبل المجلس الاستشاري العلمي لمركز Psych Central للصحّة العقلية، زيورخ، سويسرا.

بواسطة مؤنس بخاري

مدوّن ومتخصّص في الهندسة المجتمعية

اترك رد