دور الأفكار اللاعقلانية في زيادة الضغوط النفسية

طريقة توجيهك الإتهامات لنفسك أو التبريرات هي الحَكَم في مدى تكيّفك مع الأزمات . ليس من السهل أن تواجه نفسك بالحقائق دون انحرافاتٍ عاطفيةٍ ناشئةٍ عن لاعقلانيةٍ في التفكير .
عندما لاتسمح لردّات فعلك العاطفيّة  بالتمادي و تشويه رؤيتك لحقائق الأمور تكون قد تمكنت من التفكير بشكل عقلاني .

مصنف كـ معلومات هامّة، مهارات

جميعنا يستخدم مصطلح عقلاني أو لاعقلاني في وصف فكرٍ أو تصرفٍ ما .

لكن هل فكرت يوماً أن هذا التعبير هو مفتاح السر للتعامل مع ما تتعرض له من أحداث قبل أن تدعها  تؤثر بمشاعرك وبالتفاعلات الكيماوية في دماغك ، بالتالي دخولك في الشدة النفسيّة أو المرض النفسيّ؟

هناك من يتمكن من السيطرة على مجرى الأحداث المحيطة به أو يتوهم ذلك ، وهناك من لا يملك أيّ سلطة على ما يدور من  حوله أو يتوهم ذلك.

في كلتا الحالتين تكمن نسبة محتمله لخطئ الإعتقاد حول مدى الضبط والتحكم أو حتى الإنصياع والإستسلام لمجريات الحياة وضغوطاتها.

هنا يكمن دور الأفكار العقلانيّة وتلك اللاعقلانية في تناول ما يدور حولك من أحداث وتحليلها بشكل إما سلبيٍّ أو إيجابيٍّ أيضاً .

لماذا التفكير العقلانيّ؟

إذا ما تعرّضت على سبيل المثال لا الحصر لخسارةّ في عملٍ أو فقد لعزيرٍ ، ستدور في خلدك الكثير من التساؤلات والأفكار تجاه ما تمرّ به .

معظمها يأخذ منحى سلبيّ لدرجة تجعلك تعتقد أنّها نهايتك و أنك تعرّضت لكسرٍ لا جبر من بعده . هنا يأتي دور طريقتك في التفكير وتحليل الأمور .

فإمّا أن تتناول المشكلات بشكل موضوعي عقلاني يعمل قدر الإمكان على جعلك قادراً على رؤية الأمور ضمن مسارها الموضوعيّ . فتتمكن من تقليل خسائرك وإعادة التوازن لمشاعرك وتخفيف حدّة ألمك النفسيّ ؛ أو أن تفكّر بطريقةٍ لا عقلانيّةٍ تغلق في وجهك كلّ الأبواب وتمنعك من المحاولة للبحث عن مخرج .

أدع لك القرار في الحكم لماذا التفكير العقلانيّ هو الخيار الأمثل لحلّ المشكلات ومواجهة الصدمات من خلال توضيح مثال يظهر الفرق بين طريقتيّ التفكير .

مثال عن الأفكار العقلانيّة والأفكار اللاعقلانيّة

الحدث : الإنفصال عن الحبيب أو الزوج

الإستجابة بالتفكير العقلانيّ :

_أشعر بألم كبير وشعور بالتخلي والوحدة، ولربما كان هناك أخطاء من قِبلي وقِبلها أدّت إلى الإنفصال وفشل العلاقة.
_لعل نسبة فشل العلاقة شيء لم آخذه بعين الإعتبار لذا أنا الآن أشعر بالصدمة.
_لستُ المذنب ، إنما هذا وجهٌ آخرٌ للعلاقات الإنسانية فلا ضمانة لنجاح أي علاقة أو استمرارها.
_خلقت العلاقات للحصول على السعادة وفي حال عدم توفرها فالإنفصال بوابة لسعادةٍ لم اختبرها بعد، قد اختبرها في علاقةٍ قادمة.
_أنا جيد بما فيه الكفاية لأنجح في علاقةٍ إذا ما اخترت من تناسبني على أسس أكثر توافقاً مع متطلّباتي .
_إنّ ما أشعر به الآن شعور مؤلم ،لكنه سيزول لاحقاً . عليّ أن أحاول الاعتياد على وضعي الجديد و أن أطلب المساعدة ممّن أثق بهم لأتمكن من تخطي هذا الألم.
_لقد أساء/ت لي كثيراً وأشعر بالغبن والخيبة من تصرفاتها فأنا لا استحق هذا التعامل لذا الانفصال رغم ألمه هو النتيجة الطبيعة لهذه العلاقة السامّة.
_أعلم مدى الألم الذي تمرّ به، أتمنّى لكلينا التعافي من هذه المشاعر بأسرع وقت.

الإستجابة بالتفكير اللاعقلانيّ :

_أشعر بألمٍ كبيرٍ لا يمكنني تحمّله فلا قيمة لحياتي من بعده/ها .
_كان ذنبي ، أنا شخصٌ سيئٌ أستحق الهجران والترك .
_لست جميلاً كفاية ولا قوياّ كفاية لإرضاء الشريك .
_من سيحبني غيرها؟هل أستحق الحب؟
_لقد عاملتني بشكلٍ مهين لايمكنني أن أغفر لها.
_شخص مثلي لا يترك ، و علي أن أجعلها نادمة بقيّة حياته/ا .
_كيف سأواجه المجتمع بعد الإنفصال ؟ سَيُحكمُ عليّ بالفشل لامحالة .
_لن أقبل الخسارة سوف أسعى جاهداً لإرجاع العلاقة بأيّ طريقة .
_لابدّ أني شخص سيئ لأني قطعت هذه العلاقة وعلي التكفير عن ذنبي .

من خلال هذا المثال يمكنك الحكم بسهولة على أن التفكير العقلاني طريقة تفكيرٍ مجدية للإستجابة للأزمات.

أثر الحديث الذاتيّ العقلانيّ /اللاعقلانيّ على الاضطراب النفسيّ

يمكنك أن تخطط جيداً للاستمتاع مع من تحب على سبيل المثال ، لكنك لاتملك أي سيطرةٍ على جعله سعيداً . كما يمكنك أن تستمتع وتحافظ على علاقتك بأفراد أسرتك لكنّك لا تملك أيّة ضمانةٍ حول عدم الفقد أو خسارة أحد أفراد أسرتك لأيّ سببٍ كان .

إذا ما تم اتهامك كذباً بحادثة سرقة مثلاً ، لا يمكنك أن ترضى بما تمّ اتهامك به من باب أنه قدرٌ وأمرٌ لم تسعى إليه ، بل فُرض عليك فرضاً و ليس لك القدرة على تغيير ما تتعرض له من أحداث .

ما تملك السيطرة عليه هي طريقة تفكيرك واستجابتك للأحداث من خلال حديثك الذاتي لنفسك ؛ فإمّا أن تكون أقسى من يحكم عليك و أسوأ من يخذلك أو أن تكون أصدق عوناً لنفسك وأكثر من ينصفها دون التمادي في الشعور بالاستحقاق والمظلومية .

كثيرٌ من يُعزي لنفسه جميع أسباب ما يحدث فيقع في لوم الذات بل جلدها، بالتالي تغدو الشدة النفسية ذات وطئٍ مضاعف الشدة تؤدي بدورها للشعور بالصدمة والذنب والحزن  فتتطور لشعور الدونية وكره الذات، بالتالي للاكتئاب والقلق وغيرها من الاضطرابات النفسيّة .

هناك من يُعزي أيضاً أسباب المشكلات لنفسه، لكنه يطور نوعاً من الإنكار والرفض فتتحول مشاعر الحزن والعجز والذنب لمشاعر حسرة ومظلوميّة لايمكن شفائها حتى ولو تمكن من نيل مراده ؛ بل تتعاظم وتخلّف  تصوراً مبالغاً به عن الذات يؤدّي إلى سلسةٍ غير منتهيةٍ من الصدامات الاجتماعية والشعور بالغبن والظلم .

فيقع بسهولة في الاضطراب النفسي مما قد يؤدي في بعض الحالات لأمراضٍ عقليّةٍ أيضاً .

بعض الحلول القابلة للتطبيق تمكّنك من التفكير بطريقةٍ عقلانية.

عليك أن تعلم أنّ :

1. طريقة توجيهك الإتهامات لنفسك أو التبريرات هي الحَكَم في مدى تكيّفك مع الأزمات .

فإما أن تجرم نفسك وتلومها على ما لا دخل لك فيه ، أو أن تبرئها من مسؤلياتها المستحقة. في كلتا الحالتين تستجيب بالطريقة الخاطئة الأكثر ضرراً على نفسك. هناك من ينشئ محكمة في فكره ويقرر الدفاع عن نفسه تجاه كل الإتهامات التي يوجهها لنفسه . بدلاً من مناقشة تلك الاتهامات والتأكد إن كانت واقعية ، أو ناتجه عن توهمٍ عارضٍ بسبب الاضطراب العاطفي المرافق للمشكلة. يقوم بإنكار المشكلة جملةً وتفصيلاً فيبرئ نفسه من أية مسؤلية عمّا حدث . ينشأ لديه شعورٌ عميقٌ بالظّلم وقله الحظ في الحياة قاطبةً مما يودي به للإنعزال والإكتئاب والإستسلام .

2. ليس من السهل أن تواجه نفسك بالحقائق دون انحرافاتٍ عاطفيةٍ ناشئةٍ عن لاعقلانيةٍ في التفكير .

لذا عليك أن تلجأ إلى من تثق بموضوعيته ليشاركك أفكارك تجاه ما تمرّ به فيساعدك بدوره على فرز أفكارك وتصنيفها إلى عقلانية ولاعقلانية .

3. لا أحد فوق الخسارات أو الأحداث الطارئة .

إنّها ألف_باء التفاعلات الاجتماعية في الحياة ، فلا أحد بمنأى عن الخذلان أو الخسارة أو الفقد .

4. التقبّل .

هناك من يقرّ بأزماته ويسعى لتقليل خسائره فيتعافى بشكل أكثر فعاليّة و يستعيد قدرته على المحاولة والإستمرار. هناك من يرفض الخسارة فيتلقاها بكلّ ألمها وآثارها العاطفيه ، النفسية ، المادية ، و الإجتماعية رغماً عنه ؛ فيعلق في دوامة اجترار الهزيمة وإعادة تشكيلها وكأنّه يدور بحلقةٍ مفرغةٍ لا مخرج منها ، رغم ما يشعر به من ألمٍ وهزيمةٍ واستسلام .

5. التسامح مع الذات .

هناك من يعتقد أنه من القوة أن يواجه نفسه بأخطائه ، و أنا أتفق تماماّ مع هذا الاعتقاد . لكن السؤال كيف؟

فرق كبير بين الاعتراف بالأخطاء وبين جلد الذات بدلاً من الاعتراف بهذه الأخطاء والتخطيط لتداركها وتغييرها . الفرق يكمن بمدى تسامحك مع ذاتك فالقسوة على النفس لا تجلب سوى الشدة النفسيّة . تسجنك في زنزانة الذنب دون إحداث أي تغيير . بينما الإنكار لايجرّ سوى الألم وشعور دفين بالذنب يتم ترجمته على أنه شعور بالظلم أو الخذلان وقلة الحظ .

6. التعلّم .

لقد تعلّمت الكثير من المهارات الإجتماعية من الآخرين منذ طفولتك . و لابدّ أنك تعلّمت أنّ لكلّ شيئٍ ثمن ، و أنّ عليك دفع الثمن بكلّ شجاعة أو بمنتهى الضعف والأسى . لكنّك تعلم أيضاً أن لا معلماً لك أفضل من تجاربك الشخصيّة . فكلّ تجربة ناجحةٍ كانت أم فاشلة تقدّم لك مفتاحاً لمرحلةٍ أكثر تطوراً عن سابقتها .

عليك أن تستعرض تاريخك الشخصيّ وتبحث في مواطن الضعف به .

اسأل نفسك متى كانت آخر أزمة ؟ كيف تفاعلت معها ؟ ماهي نتائج هذا التفاعل ؟ هل من المجدي أن تتفاعل مع أزمتك الحالية كسابقاتها ؟ مالتطور الذي طرأ عليك من بعد تلك الأزمة ؟ كيف استفدت منها لتجنّب احتمالية تكرارها؟

حلل ردّات فعلك وتعلم من خبراتك وخبرات من حولك .

خاتمة

من السهل ترك مشاعر الإحباط ، الخيبة ، و الهزيمة تستبّد بك كاستجابةٍ  طبيعةٍ  لحالة الفقد أو الخسارة . لكنّه من الذكاء أن تعيد التفكير بما تشعر به ، وفي طريقة حديثك الذاتي أي ما تخبر به نفسك من تفسيراتٍ وأسبابِ ما تعرّضت له .  فالتفكير العقلانيّ يحتاج شجاعة التغيير وقوة التحدّي .

عندما لاتسمح لردّات فعلك العاطفيّة  بالتمادي و تشويه رؤيتك لحقائق الأمور تكون قد تمكنت من التفكير بشكل عقلاني . عندما تعترف بالسقوط  أمام نفسك دون أن تقنعها أن لا نهضةً من بعد ذلك ، تكون قد واجهت الحقائق بشكل عقلانيّ .

عندما تتجنب جلد الذات ومشاعر الذنب بالتكفير عن خطئٍ ارتكبته من خلال إصلاح ماقمت بهدمه تكون قد تصرفت بمنتهى الشجاعة والعقلانية.

لكن إن اكتفيت بلوم الذات وجلدها أو تهربت من حِدّة جلد الذات بإنكار المشكلة كلّها تكون قد فضّلت الإستسلام للهزيمة بكامل الضعف والعجز . فلن تختفي المشكلة ؛ بل سوف تختفي عن وعيك فقط . لتعود إليك بأشكالٍ مختلفةٍ من الأمراض النفسيّة والجسديّة.

بواسطة هبة الله الزير

أخصّائيّة نفسيّة، مهتمة بقضايا المرأة والعنف

اترك رد